لم يكن خروج المنتخب السعودي من دور المجموعات في كأس العالم 2026 مجرد نتيجة عابرة، بل كان بمثابة صدمة كشفت عن أزمة عميقة تمتد لتشمل البنية التحتية للكرة في المملكة. ورغم الاستثمارات الضخمة والطموحات اللامحدودة، وجدت الجماهير نفسها أمام منتخب يفتقر للهوية الفنية ويعاني من ترهل إداري فاضح. ومع استقالة ياسر المسحل من رئاسة الاتحاد السعودي لكرة القدم، بات واضحاً أن المرحلة المقبلة تتطلب أكثر من مجرد تغيير في الأشخاص؛ بل تحتاج إلى مشروع إصلاحي شامل يعيد للأخضر هيبته.
1. إعادة تأسيس الفئات السنية
النجاح لا يُصنع في شهور، بل يُبنى عبر سنوات. التجربة الآسيوية الناجحة لليابان وكوريا الجنوبية تؤكد أن القوة الحقيقية تنبع من الأكاديميات والمنتخبات العمرية. يجب التحول من الاعتماد على المواهب الفردية العابرة إلى بناء منظومة متكاملة لاكتشاف وصقل المواهب في جميع مناطق المملكة، مع رفع كفاءة الكوادر التدريبية المشرفة على الفئات السنية.
2. معالجة أزمة الدقائق للاعب المحلي
شهدت السنوات الأخيرة تراجعاً ملحوظاً في مشاركة اللاعب السعودي أساسياً مع أنديته، وذلك عقب التوسع في استقدام اللاعبين الأجانب لدوري روشن. ورغم ارتفاع مستوى المسابقة، إلا أن المنتخب الوطني دفع الثمن حيث افتقر العديد من عناصره للنسق اللعبي نتيجة قلة الدقائق. الحل يكمن في إيجاد توازن دقيق بين قوة الدوري وضمان حق اللاعب المحلي في المشاركة والتطور، سواء عبر تعديل اللوائح أو دعم برامج الإعارة.
3. تشجيع الاحتراف الخارجي
أثبتت التجارب أن اللاعب الذي يخوض غمار المنافسات الأوروبية يعود بصفات قيادية وفنية لا يمكن اكتسابها في الدوري المحلي. الكرة السعودية بحاجة إلى خطة استراتيجية لتصدير النخبة من المواهب الشابة إلى الدوريات الأوروبية، للاستفادة من بيئات التدريب عالية الكثافة والاحتكاك المباشر بأبرز المدارس الكروية في العالم.
4. استقرار الهوية الفنية
من أكبر الأمراض التي عانت منها الكرة السعودية هو التقلب الفني المستمر وتغيير المدربين وخطط اللعب قبل كل بطولة. هذا التذبذب يمنع تشكل هوية ثابتة للمنتخب. الإصلاح يتطلب تبني مشروع فني طويل الأمد يحدد طريقة لعب واضحة يتم تعليمها للمنتخبات العمرية وصولاً إلى المنتخب الأول، بدلاً من البدء من الصفر في كل دورة.
في الختام، إن إنقاذ جسد الكرة السعودية يتطلب تضافر الجهود بين الاتحاد والأندية والجماهير، لترجمة الطموحات إلى واقع ملموس على أرضية الملاعب.